يبدو ان هناك ثورات تغير مناخ عربي قد تعم معظم البلدان العربية والإسلامية فهي تجتاح المغرب حاليا وأندنوسيا وبانكلديش واتجاهها نحو بقية البلدان حتى اروبا وآمريكا فهي موجة تغرب مناخ جغرافي وسياسي وأقتصادي وأجتماعي ولا يوجد بلد محصن منها على وجه الكرة الأرضية ومن الأفضل لمن يريد النجات منها أن يسبقها بغيير شامل فى سياساته وأقتصاده وبنيته الأجتماعية والثقافية لكي تكون عليه مجرد رياح عادية او تغير مسارها عنه إلى بلد آخر ، فماهو رأي الفلاسفة فى ثورة القطيع ؟
من يقرأ "سيكولوجية الجماهير" لغوستاف لوبون، أو يتتبع أطروحات إيريك فروم وولفغانغ كوهلر وغي ديبور، يدرك أن الجماهير حين تخرج إلى الشارع لا تكون مجرد أفراد متفرقين، بل تتحول إلى كيان واحد تتلبسه نفس جماعية، تنصهر فيها الذوات، ويضيع فيها العقل النقدي لصالح انفعالات مهيّجة ومعدية. الجماهير، كما يرى لوبون، لا تفكر بل تنفعل، ولا تحلل بل تندفع، ولا تناقش بل تصرخ. هي لا تعقل الفكرة، بل تتملكها كالنار، وسرعان ما تتحول هذه النار إلى حريق إذا لم تجد من يوجّه مسارها...
في لحظة التحام الأجساد وتوحد الأصوات، يولد شيء جديد أشبه بالعاصفة النفسية. شيء يجعل من الجاهل قائدا، ومن العاقل تابعا، ومن الكلمة شحنة كهربائية تنقل الجماهير من حالة السكون إلى فوضى تتجاوز العقل. هذا ما يسميه الفيلسوف الفرنسي إدغار موران "التحول من الذات المفكرة إلى الذات المنفعلة"، حيث تذوب الفردانية في اللاوعي الجمعي...
وحين تفقد الجماهير الإطار المؤطر، يصبح كل شيء ممكنا: التخريب، العنف، وحتى التوحش. لا لأن الناس أشرار، بل لأنهم في تلك اللحظة يفقدون الذات المفكرة. هنا تصبح الجماهير كما اطلق عليها الفلاسفة بلا "إتيقا" ولا "تيلوس" اي بلا اخلاق ولا قيم ، بل تنساق خلف شحنة اللحظة، وكأنها ترقص تحت تأثير نداء غرائزي غامض...
هذه اللحظة هي ما يسميه نيتشه كذلك "انحراف الغرائز في غياب السرد القيمي"، أي أن الإنسان حين لا يعود له إطار أخلاقي أو معنى يتكئ عليه، ينزلق نحو الفوضى كبديل عن الفراغ...
ما يحدث حينها ليس احتجاجا بالمعنى الواعي، بل حالة سيكولوجية تشبه "الهستيريا الجماعية"، حيث يستسلم الجميع للانفعال دون إدراك. وهذا ما يجعل التعليم والتأطير والوعي ليست ترفا، بل ضرورة وجودية قصوى . فصناعة الإنسان المواطن تبدأ من صناعة العقل القادر على التمييز، وليس فقط القلب القادر على الغضب...
العنف ليس قدرا بيولوجيا كما ظن البعض، بل هو نتيجة مركبة لانهيار البنية التربوية والاجتماعية والسياسية، وانسداد الأفق، وتعطّل ميكانيزمات الوساطة. حين تنهار المدرسة وتغيب الثقافة وتفقد الأحزاب دورها، يصبح الشارع هو المسرح الوحيد للبوح، لكنه بوح أعمى في غياب الميكروفون الأخلاقي...
هذه الفجوة النفسية التي تعتري الجماهير هي ما حذّر منه إريك فروم حين تحدث عن "الهروب من الحرية"، لأن الإنسان حين لا يجد من يرشده وسط ضجيج العالم، يهرب إلى الجماعة ليتلاشى فيها ويشعر بالانتماء حتى لو قادته للهاوية...
الفكرة التي لا تُؤطر، تتحول إلى شعار أجوف، ثم إلى صرخة، ثم إلى حجر. وهذا هو مسار العنف الجماعي: يبدأ من انفعال مشروع، ثم يتحول إلى طاقة تدمير ذاتي إذا لم تجد من يحتضنها ويرشدها...
من هنا، يصبح دور النخبة، والمثقفين، والمربين، وكل من يحمل شعلة الوعي، ليس فقط في الدفاع عن مطالب الشعب، بل في حمايته من نفسه عندما تتحول المطالب إلى وقود غضب غير عقلاني. لأن الشعب، حين يضيع منه الوعي، يسقط في قبضة "الدوغمائية الجماعية"، تلك التي وصفها بيير بورديو بأنها "حالة من الرضى المزيف تنبع من الجهل المشترك"...
لن تُبنى مجتمعات قوية بالاحتجاج فقط، بل بالتعليم القوي، بالمدرسة التي تنتج عقولا ناقدة لا جماهير مهيّجة، وبأحزاب لا تتاجر بالغضب بل تؤطره، وبإعلام يشرح لا يحرّض، وبأفق مفتوح لا بجدار مسدود...
ما نراه اليوم ليس فقط أزمة مطلبية، بل أزمة تأطير، وأزمة معنى. لذلك، فالمسؤولية اليوم جماعية، لا في تهدئة الجماهير فقط، بل في إعادة إنتاج الإنسان المواطن، الإنسان المفكر، الذي يصرخ حين يجب أن يصرخ، ويتوقف حين يجب أن يتوقف، ويفكر دائما...
فالجماهير، كما وصفها كارل يونغ، هي المرآة التي تعكس خلل البنية النفسية العميقة للأمة. فإذا كان الشارع يحترق، فاعلم أن هناك عقلا غائبا، وسياسة غائبة، ومؤسسة مفقودة، ومشروعا حضاريا مؤجلا.
وما لم نستثمر في بناء الوعي، سنظل نطفئ حرائق الغضب، دون أن نعرف من أين يأتي الحطب.




